: المقدمة
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، حديثنا اليوم عن غُرَّةُ فتيان قريش وأوفاهم بهاء وجمالاً وشباباً، يصف المؤرخون والرواة شبابه فيقولون :( كان اعطَر أهل مكه) وُلد في النعمة وغذِّي بها وشبَّ تحت خمائلها، ذلك الفتى الريان المدلل المنعم حديث حِسان مكه ولؤلؤة ندواتها ومجالسها.أيمكن أن يتحول إلى أسطورة من أساطير الإيمان والفداء؟ بالله ما أروعه من نبأ، نبأ مصعب بن عمير أو مصعب الخير كما كان لقبة بين المسلمين.
: أسمه ونسبه
هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة القرشي وكانت كنيته رضي الله عنه أبو عبدالله.
: إسلامه رضي الله عنه
سمع الفتى ذات يوم ما بدأ أهل مكة يسمعونه من محمد الأمين صلى الله عليه وسلم.."محمد" الذي يقول أن الله أرسله بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا الى عبادة الله الواحد الأحد، وحين كانت مكة تمسي وتُصبح ولا همّ لها، ولا حديث يشغلها إلا الرسول عليه الصلاة والسلام ودينه، كان فتى قريش المدلَّل أكثر الناس استماعًا لهذا الحديث، ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه، زينة المجالس والندوات، تحرص كل ندوة أن يكون مصعب بين شهودها، ذلك أن أناقة مظهره ورجاحة عقله كانتا من خصال "ابن عمير" التي تفتح له القلوب والأبواب.ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن آمن معه، يجتمعون بعيدًا عن فضول قريش وأذاها هناك على الصفا في درا "الأرقم بن أبي الأرقم" فلم يطل به التردد، ولا التلبث والانتظار، بل صحب نفسه ذات مساء الى دار الأرقم تسبقه أشواقه، هناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه فيتلو عليهم القرآن، ويصلي معهم لله العليّ الكبير.ولم يكد مصعب يأخذ مكانه، وتنساب الآيات من قلب الرسول متألفة على شفتيه، آخذة طريقها الى الأسماع والأفئدة، حتى كان فؤاد ابن عمير في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود..! ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه، وكأنه من الفرحة الغامرة يطير، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بسط يمينه الحانية حتى لامست الصدر المتوهج، والفؤاد المتوثب، فكانت السكينة العميقة عمق المحيط.
كانت أم مصعب "خُناس بنت مالك" تتمتع بقوة فذَّة في شخصيتها، وكانت تُهاب الى حد الرهبة ولم يكن مصعب حين أسلم ليحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى امه، ولقد فكر سريعا، وقرر أن يكتم اسلامه حتى يقضي الله أمرًا.
وظل يتردد على دار الأرقم، ويجلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قرير العين بايمانه، وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم خبر اسلامه خبرًا، ولكن مكة في تلك الأيام بالذات، لا يخفى فيها سر، فعيون قريش وآذانها على كل طريق، ووراء كل بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة، الواشية، ولقد أبصر به "عثمان بن طلحة" وهو يدخل خفية الى دار الأرقم، ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم، فسابق ريح الصحراء وزوابعها، شاخصًا إلى أم مصعب، حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها .
ووقف مصعب أمام أمه، وعشيرته، وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم في يقين الحق وثباته، القرآن الذي يغسل به الرسول قلوبهم، ويملؤها به حكمة وشرفًا، وعدلًا وتُقى، وهمّت أمه أن تسكته بلطمة قاسية، ولكن اليد التي امتدت كالسَّهم، ما لبثت أن استرخت وتنحّت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه يفرض الاحترام، وهدوءًا يفرض الاقناع، وهكذا مضت به الى ركن قصي من أركان دارها، وحبسته فيه، وأحكمت عليه اغلاقه، وظل رهين محبسه ذاك، حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين الى أرض الحبشة، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ، وغافل أمه وحراسه، ومضى الى الحبشة مهاجرا أوّابًا.
خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله، فما ان بصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعًا شجيًّا ذلك أنهم رأوه يرتدي جلبابًا مرقعًا باليًا، وعاودتهم صورته الأولى قبل اسلامه، حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة، وألقًا وعطرًا.
وتملّى رسول الله مشهده بنظرات حكيمة، شاكرة محبة، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة، وقال: " لقد رأيت مصعبا هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله". لقد منعته أمه حين يئست من رِدّته كل ما كانت تفيض عليه من نعمة، ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرّة أخرى بعد رجوعه من الحبشة، فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه، وانها لتعلم صدق عزمه اذا همّ وعزم، فودعته باكية، وودعها باكيًا.
وكشفت لحظة الوداع عن اصرار عجيب على الكفر من جانب الأم وإصرار أكبر على الايمان من جانب الابن.. فحين قالت له وهي تخرجهمن بيتها: اذهب لشأنك، لم أعد لك أمّا، اقترب منها وقال: "يا أمّه اني لك ناصح، وعليك شفوق، فاشهدي بأنه لا اله الا الله، وأن محمدا عبده ورسوله" أجابته غاضبة مهتاجة: " قسمًا بالثواقب، لا أدخل في دينك، فَيُزَرى برأيي، ويضعف عقلي".وخرج مصعب من النعمة الوافرة التي كان يعيش فيها مؤثرًا الشظف والفاقة.
وأصبح الفتى المتأنق المعطّر، لا يُرى إلا مرتديا أخشن الثياب، يأكل يومًا، ويجوع أيامًا ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة، والمتألقة بنور الله، كانت قد جعلت منه انسانًا آخر يملأ الأعين جلال والأنفس روعة.
: أول سفير في الإسلام
وآنئذ، اختاره الرسول لأعظم مهمة في حينها: أن يكون سفيره الى المدينة، يّفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة، وُيدخل غيرهم في دين الله، ويعدّ المدينة ليوم الهجرة العظيم، كان في أصحاب رسول الله يومئذ من هم أكبر منه سنًّا وأكثر جاهًا، وأقرب من الرسول قرابة، ولكن الرسول اختار مصعب الخير، وهو يعلم أنه يكل اليه بأخطر قضايا الساعة، ويلقي بين يديه مصير الاسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة، ومنطلق الدعوة والدعاة، والمبشرين والغزاة، بعد حين من الزمان قريب، وحمل مصعب الأمانة مستعينًا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق، ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه واخلاصه، فدخلوا في دين الله أفواجًا.
ولقد تعرّض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه، لولا الله ثم فِطنة عقله، وعظمة روحه، منها :
ذات يوم فاجأه وهو يعظ الانس "أُسيد بن خُضير" سيد بني عبد الأشهل بالمدينة، فاجأه شاهرًا حربته، يتوهج غضبًا وحنقًا على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم، وما ان رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مصعبا مقدم أُسيد ابن خُضير متوشحًا غضبه المتلظي، وثورته المتحفزة، حتى وجلوا ولكن مصعب الخير ظل ثابتًا وديعًا متهللًا.وقف اسيد أمامه مهتاجا، وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة:"ما جاء بكما الى حيِّنا، تُسفِّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا، اذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة".وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرّك بالحديث الطيب لسانه فقال:"أولا تجلس فتستمع..؟! فإن رضيت أمرنا قَبِلْتهُ، وان كرهته كففنا عنك ما تكره"كان أسيد رجلًا أريبًا عاقلًا وها هو ذا يرى مصعبا يحتكم معه الى ضميره، فيدعوه أن يسمع لا غير فان اقتنع، تركه لاقتناعه و وان لم يقتنع ترك مصعب حيّهم وعشيرتهم، وتحول الى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارّ ولا مُضَارّ.هنالك أجابه أسيد قائلًا: أنصفت. وألقى حربته الى الأرض وجلس يُصغي، ولم يكد مصعب يقرأ القرآن، ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، حتى أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق وتتغير مع مواقع الكلم، وتكتسي بجماله، ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به أسيد بن حضير وبمن معه قائلًا: "ما أحسن هذا القول وأصدقه. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين" وأجابوه بتهليلة رجّت الأرض رجّا، ثم قال له مصعب:"يطهر ثوبه وبدنه، ويشهد أن لا اله الا الله".فعاد أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه، ووقف يعلن أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله.
وسرى الخبر كالضوء، وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع، وأسلم ثم تلاه سعد بن عبادة، وتمت باسلامهم النعمة، وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون: اذا كان أسيد بن حضير، وسعد ابن معاذ، وسعد بن عبادة قد أسلموا، ففيم تخلّفنا..؟ هيا الى مصعب، فلنؤمن معه، فانهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه.
: وفاته رضي الله عنه
تجيء غزوة أُحد، ويقف الرسول صلى الله عليه وسلم وسط صفوفهم يتفرّس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية، ويدعو مصعب الخير، فيتقدم ويحمل اللواء.
وتشبُّ المعركة الرهيبة، ويحتدم القتال، وُيخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ويغادرون موقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين، لكن عملهم هذا، سرعان ما يحوِّل نصر المسلمين الى هزيمة، ويفاجأُ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل، وتُعمل فيهم على حين غرّة، السيوف الظامئة المجنونة وحين رأوا الفوضى والذعر في صفوف المسلمين، ركّزوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه، وأدرك مصعب بن عمير الخطر الغادر، فرفع اللواء عاليًا، وأطلق تكبيرة كالزئير، ومضى يصول ويجول ويتواثب، وكل همه أن يلفت نظر الأعداء اليه ويشغلهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، وجرّد من ذاته جيشًا بأسره، أجل ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لَجِبّ غزير، يد تحمل الراية في تقديس ويد تضرب بالسيف في عنفوان، ولكن الأعداء يتكاثرون عليه يريدون أن يعبروا فوق جثته الى حيث يلقون الرسول.
لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الختام في حياة مصعب:يقول ابن سعد: أخبرنا ابراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري، عن أبيه قال:[حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أُحد، فلما جَالَ المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن قميئة وهو فارس، فضربُه على يده اليمنى فقطعها، ومصعب يقول: (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل)، وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه، فضرب يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء وضمّه بعضديه الى صدره وهو يقول: (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل)، ثم حمل عليه الثالثة بالرُّمح فأَنْفذه وأندق الرمح، ووقع مصعب، وسقط اللواء] .
وبعد انتهاء المعركة المريرة، وجد جثمان الشهيد الرشيد راقدا، وقد أخفى وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية، وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها، وعند جثمان مصعب، سالت دموع وفيّة غزيرة.
يقوا خبّاب بن الأرت:[هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله.. فمنا من مضى، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد.. فلم يوجد له شيء يكفن فيه الا نمرة.. فكنا اذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه، واذا وضعناها على رجليه برزت رأسه، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نبات الاذخر"..].
: الخاتمة
شكرًا لكم القراءة وأعتذر على الأطالة، ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، جعلني الله وإياكم من أهل جنة الفردوس الأعلى.
المصدر :
كتاب رجال حول رسول الله

